الجاحظ

185

رسائل الجاحظ

الشهوة وتسلط الطبيعة مع كثرة الحاجة والجهل بالعاقبة ، لاثرت فيهم السموم ولأفناهم الخلط ولأجهز عليهم الخبط ولتولدت الأدواء وترادفت الأسقام حتى تصير منايا قاتلة وحتوفا متلفة ، إذ لم يكن عندهم إلا أخذها والجهل بحدودها ومنتهى ما يجوز منها والزيادة فيها وقلة الاحتراس من توليدها . فلما كان ذلك كذلك علمنا أن اللّه تعالى حيث خلق العالم وسكانه لم يخلقهم إلا لصلاحهم ولا يجوز صلاحهم إلا بتنقيتهم ، ولولا الأمر والنهي ما كان للتنقية وتعديل الفطرة معنى . ولما أن كان لا بد للعباد من أن يكونوا مأمورين منهيين بين عدو عاص ومطيع ولي ، علمنا أن الناس لا يستطيعون مدافعة طبائعهم ومخالفة أهوائهم إلا بالزجر الشديد والتوعد بالعقاب الأليم في الآجل بعد التنكيل في العاجل . إذ كان لا بد من أن يكون لكونهم مأمورين منهيين من العمل معجلا والجزاء الأكبر مؤجلا ، وكان شأنهم إيثار الأدنى وتسويف الأقصى . وإذا كانت عقول الناس لا تبلغ جميع مصالحهم في دنياهم فهم عن مصالح دينهم أعجز إذ كان علم الدين مستنبطا من علم الدنيا وإذا كان العلم مباشرة أو سبا بالمباشرة ، وعلم الدين غامض لا يتخلص إلى معرفته إلا بالطبيعة الفائقة والعناية الشديدة مع تلقين الأئمة ، ولأن الناس لو كانوا يبلغون بأنفسهم غاية مصالحهم في دينهم ودنياهم لكان إرسال الرسل قليل النفع يسير الفضل . وإذا كان الناس مع منفعتهم بالعاجل وحبهم للبقاء ورغبتهم في النماء وحاجتهم إلى الكفاية ومعرفتهم بما فيها من السلامة لا يبلغون بأنفسهم معرفة ذلك وإصلاحه ، وعلم ذلك جلي ظاهر سببه متصل بعضه ببعض كدرك الحواس وما لاقاها ، فهم عن التعديل والتجوير وتفصيل التأويل والكلام في مجيء الأخبار وأصول الأديان أعجز وأجدر أن لا يبلغوا منه الغاية ولا ينالوا منه الحاجة . لأن علم الدنيا أمران : إما شيء يلي الحواس ، وإما شيء يلي علم الحواس . وليس كذلك الدين . [ 8 - درجات الامام ] فلما كان ذلك كذلك علمنا أنه لا بد للناس من إمام يعرفهم جميع مصالحهم ،